"ايه ده؟؟ ليه قفلين النور؟! افتحوا النور افتحوا الستارة!!"
تضحكه جداً هذه الجملة المبتذلة المستخدمة في كل الأفلام المصرية القديمة لتعبر عن المأساة عندما يفقد بطل الفيلم بصره في حادث مؤلم.
الشيخ حسن أدرى الناس بالمأساة و شعور من فقد بصره ، فيوجد فرق كبير جداً بين الظلام الناتج عن اغلاق النور او الستارة و الظلام الناتج عن فقد البصر.
الشيخ حسن قد فقد بصره و هو فى ال30 من عمره بسبب انهيار مسكنه فوقه وقد اكسبه هذا الحادث لقب الشيخ فحسن ليس بشيخ ولكن هذه هى طريقة اصحابه و جيرانه لتعويضه.
يرفض أن يمسك بعصاة أو كلب أو أى شيئ يظهر أنه أعمى، و كثيراً ما يخدع الناس و يجعلهم يصدقون انه يرى.. ليست لديه قوى خارقة و لكن الناس لهم قدرة على أن يكونوا متوقعين و متشابهين بدرجة كبيرة فخداعهم سهل.
وقد اكسبه فقد بصره مصداقية لا حد لها فكلمات الشيخ حسن لا رد لها وكل كلمة منه بمثابة أمر لا رجعة فيه.
لم ينسى ابداً او يمحى من رأسه أخر مشهد رأه: زوجته تعد الطعام، ابنه يلعب بالكرة مدمراً لكل ما هو ثمين بالمنزل، زوجته تأتي مسرعة ناحيته لتعطيه قبلة خاطفة بإبتسامة ساحرة ثم صوت ارتطام صارخ.. ثم لا شئ.
لا يستطيع أن يحدد مشاعره فهو لا يعرف هل هو سعيد لأنه مرت عليه ايام جميلة لا توصف أم هو حزين لأن هذه الأيام قد فاتت ولن ترجع أبداً.يجد راحة في كونه اعمى فهو لا يتخيل أن يرى كل الناس و كل شئ و لكن لا يستطيع أن يرى أغلى اثنان في قلبه.
كان حسن دوماً يخصص وقت لاصدقائه و كل من يحتاج منه المساعدة. فكان الناس يأتون اليه طالبين النصيحة ولم يخذلهم ابداً فكان نعم الأخ والصديق.
يمضي يومه كالتالي: يستيقظ ليصلي الفجر ثم يشرب الشاي ويبدأبالايتعداد للذهاب إلى الجامعة. يكون أول الواصلين. يحييه الجميع في طريقه من البواب إلى العميد. يلقي محاضراته بشغف فهو عاشق للفلسفة، ثم يعود الى منزله في الرابعة ليجد الخادمة قد اعدت له الطعام يأكل وينام قليلاً ثم يذهب ليلتقي بأصدقائه حتى الحادية عشر. يوم منظم ويكاد يكون مثالي! بالطبع قبل الحادث كان اجمل بوجود زوجته الى جانبه وابنه مهللاً: بابا جيه بابا جيه!! بالرغم من حسن خلق حسن فبداخله كان يمل قليلاً تصرفات الناس "الحساسة" تجاهه. فمع كل خطوة يسمع "حاااااسب" و "اساعدك يا حج؟؟" و اشياء من هذا القبيل تستفزه جداً وتشعره بالعجز والغباء، خاصة أن نادراً ما يكون هناك شيئاً يستدعي كل هذا الفزع!!
- شريف حبيبي تعالى جيب الي أنت عايزه!
ففزع حسن لهذا الصوت، ليس لأنها الحادية عشرة ليلا أو لأن من المفترض أنه وحده بالمنزل، بل لأن هذا صوت رانيا زوجته تتحدث مع شريف إبنه!
زل يردد: ده خيال مش حقيقة... مش حقيقة!! أنا لازم أروح لدكتور فعلا أتأكدت أن كان عندهم حق لما قالولي أروح لدكتور نفسي!
- بابا أنا أخدت المفاتيح وصلحتلك العربية... ماشي؟
- ده انت يا شريف؟ صوتك كبر أوي! تعالى أقعد معايا شوية!
- يعدين إن شاء الله يابابا. يالا ياماما!
صوت الباب يغلق.
حقا لا يعقل أن يكون إبنه هنا ويتكلم معه. هذه الخيالات سوف تدمره، فقد أمضى الكثير من الوقت حتى يتكيف على غيابهم من حياته.
مضت الأيام والشهور بطيئة جدا إنعزل فيها حسن تماما عن الناس، فقد شغفه الذي يلقي به محاضراته، كان يحرص على الرجوع إلى المنزل بأقصى سرعة ويمكث حتى صباح اليوم التالي ممتنعا عن النوم تماما. كل هذا غرضه تكرار ما حدث. أراد أن يسمع صوتهما مرة أخرى، يعرف أن هذا جنون وقد تحول إلى هوس ولكنه يريد أن تتمكن هذه الخيالات منه ففي هذا راحة له وهروب من الواقع الأليم الذي يخلو من رانيا وشريف.
- حسن! أنا ماليش دعوة طبعا، بس لازم تخرج أكتر وترفه عن نفسك، الناس قلقت! يالا سلام.
- رايحة فين؟ استني!
ما أحلى صوتها! أخذ يعيد ماقالته في فكره مضيفا بعض التعديلات حتى أصبحت أقرب إلى : لازم تخرج أكتر ياحبيبي قلقتني عليك.
لايهمه ماقالت وكيف قالته فكل ما يسعده هو صوتها الذي ظن أنه لن يسمعه أبدا!
في المساء التالي، ذهب إلى القهوة آخذا بنصيحتها، فهذة الهلاوس جائته لسبب وهدف من الممكن أن يكون مساعدته. هو لا يؤمن بذلك حقا ولكن إذا أكثر التفكير في الأمر سيعرف أنه غير منطقي. هو مرتاح لهذا الحوار حقا.
- مش هتزور شريف بقى!؟
- أنا عايز بجد. قولولي إزاي وأنا هاجي!
- ياحسن! هقولك لآخر مرة، ده إبنك ومحتاج لاهتمام أكتر من كده. أنا عايزة مصلحتكو. مش عاجبني الوضع كده.
- يارانيا أنا...
- سلام!
يحاول أن يتذكر حياته قبل الحادث. كل ما يذكره أنه حظي بحياة عائلية مثالية. ضحّى بالمال والجاه من أجل هذا الاستقرار والحب.، ولكنه لايتذكر التفاصيل مثل أحاديثهم اليومية، خلافاتهم، أحلامهم... يتذكر حياته معهم مثل شريط سينما يجري في فكره، صور تصاحبها الموسيقى المؤثرة. اللقطة التي تمر فيها على البطل حياته امام عينيه فتدفعه للقيام بالأمر الصحيح ليحظى بناهاية سعيدة. ولكن حسن لا يتوقع نهاية سعيدة، فهذه الهلاوس والخيالات سوف تضعه في مصحة عقلية وتكون هذه نهاية الشيخ حسن. هذا النوع من الأفلام التي تبكي الناس في النهاية شاعرين بالظلم الواقع على البطل المسكين.
- حسن! فوّت ليه ميعاد الدكتور سامح؟
- الدكتور سامح؟ عرفتيه منين؟
- يووه ياحسن. هحجزلك ميعاد تاني!
- انتي هنا إزاي؟
- لما هحجزلك ميعاد تاني هكلمك أقولك عليه وماتفوتوش ياريت!
- حاضر... وحشتيني أوي! وحشني صوتك... رانيا... يارانيا!
هل في حياتها كانت علاقتهما هكذا؟ لماذا هذا الجفاء؟ فكل مايتذكره لحظات سعيدة!
دكتور سامح... من الأفضل أن يذهب إلى الميعاد هذة المرة.
ذهب حسن لأول ميعاد له عند الدكتور سامح في الأسبوع التالي. فور بدء الكلام بينهما وضع حسن للدكتور هذة الصورة في رأسه:
أشيب الشعر، قصير القامة، ذو نظارات طبية مستطيلة العدسات، آثار الحكمة مطبوعة على جبينه مع بعض الجنون أيضا الظاهر في شعره المنكوش.
بدأ يحكي عن لقائه برانيا عندما كانوا طلاب بكلية الآداب قسم الفلسفة، أيامه السعيدة معا وفرحتهما عندما رزقهما الله بشريف. وأخذ يسرد تفاصيل حياتهم حتى وصل عند الحادث صمت! محاولا أن يقرر هل يقول للدكتور عن آخر لحظة قبل الحادث؟ بدت هذة اللحظة ثمينة جدا على أن يقصها لأحد. يحكي عن أول مرة سمع فيها صوت زوجته وإبنه بعد موتهما. زوّق الكلمات حتى تبدو جميلة مليئة بالحب واتفقوا على أن تكون جلستهم أسبوعية. الدكتور سامح يبدو ماهرا في عمله ولكن دائما ما كانوا يظهرون الطبيب النفسي في الأفلام بشكل آخر يجعل المريض يتكلم في موضوع معين مستدرجا إياه بالأسئلة الصادمة التي تجعله يواجه حقيقة يخافها! ولكن دكتور سامح كل ما يفعله هو تدوين الملاحطات مضيفا بعض النصائح في صورة اقتراحات وإن إختار حسن الصمت فلن يستطيع إجباره على الكلام، فمن وجهة نظر حسن يمكن استبدال الدكتور سامح بأي شخص آخر. لا يحط من قدره ولكن كانت لديه توقعات أعلى بكثير.
- ليه مارحتش للدكتور سامح برضه؟
- ما أنا رحت!هتضحك عليا يعني؟
- رحت واتكلمت معاه ساعتين كمان!
- اتكلمت معاه؟ انا بقولك على الدكتور سامح دكتور العيون.
- عيون؟ وأنا هاعمل عنده إيه؟ ماتخافيش نظري ستة على ستة! قالك دكتور عيون!
- إنت حر. مش هاحجزلك عنده تاني. وأنا مالي!
- ياستي يعني انتي جاية من العالم التاني علشان تحجزيلي عند دكتور عيون؟ ده انتي فاتك كتير أوي!
كل يوم يحلم برانيا تقول له: أنا آسفة بس خلاص كده. لازم نفترق ياحسن! يبكي كثيرا حتى يستيقظ على صوته وهو يبكي في الحقيقة.
لايحتاج للدكتور سامح حتى يقول له أن الحلم والهلاوس كلها تدل على عدم مقدرته على أن يمضى بحياته بعدهما. منذ الحادث لم يفكر قط في أن يتابع حياته ويلتقي بإمرأة أخرى ويكون عائلة جديدة. فعائلته هم رانيا وشريف وبموتهما مات الحب فيه.
- يادكتور سامح أنا مكنتش ناوي أقولك بصراحة بس الحكاية بقت غريبة جدا. زي ما قلتلك قبل كدة إني باسمع صوت مراتي وإبني الي ماتوا لكن معاملتهم ليا جافة جدا وكلها عتاب وحاجات غير مفهومة. دي رانيا بتقولي أروح لدكتور عيون! يعني إيه؟ مش فاهم! عمرهم في حياتهم ما كانوا كدة، يبقى إزاي أتخيلهم بالشكل ده؟!
- يا أستاذ حسن انت حكيتلي على حياتكم مع بعض السعيدة لكن كل عائلة ليها مشاكلها، فضروري في حاجة حصلت قبل وفاتهم انت حاسس بالذنب من ناحيتها.
- طبعا كان في مشاكل يعني، بس المشاكل العادية... حياتنا كانت أشبه بألف ليلة وليلة، علشان كدة خلصت بدري... الحلو مابيكملش.
- مع إحترامي ليك ولزوجتك ولحياتكم الخيالية، رأيي إنك تحاول تستعيد حياتكم بطريقة واقعية أكثر علشان نقدر نعرف سبب المشكلة. احكيلي شوية عن أحلامك.
- مافيش حاجة معينة.
- بلاش العند ده. أنا هنا علشان أساعدك.
- هو في حلم بيتكرر من وقت وفاتهم. رانيا بتقولي إننا لازم نفترق وبتمشي وتسيبني لوحدي. بس ده عادي، ما هو ده الي حصل... عقل باطن يعني.
- ما هو العقل الباطن ده الي هيعرفنا سبب المشكلة! راجع نفسك كويس وإفتكر أكثر عن حياتكم والأسبوع الجاي نوصل لنتائج كويسة إن شاء الله.
كانت هذه بلاشك الجلسة الأغرب على الإطلاق! فقد شعر لأول مرة أنه مريض حقا! وكما يقول الطبيب، صعب جدا أن تكون حياتهم بلا مشاكل. ولكنه لايتذكر مشاكل فزوجته مثل الملاك لايمكنها أن تثير الخلافات. واضح جدا أن هناك مشاكل هو مسببها ولذلك يشعر بالذنب.
قرر أن يتذكر اليوم الذي سبق الحادث. في البدء، لم يستطع أن يتذكر أي شيء، ثم فوجيء بمشهد غريب:
هو في مكتب كبير، أمامه أوراق كثيرة وفتاة بجانبه تطلب إمضائه على بعض الأوراق، وشاب آخر يطلعه أن صفقة الأرض الزراعية قد تمت بنجاح! ثم تذكر بيته الكبير بإحدى المدن الجديدة. شقة فخمة جدا يقوم برعايتهم طاقم من الخدم. يفيق من هذه الذكريات على صوت رانيا.
- الشهر بقى في نصه... فين الفلوس؟
- فلوس إيه يارانيا؟
- ياراجل حرام عليك! هو انت يعني ناقصك فلوس؟ مش لازم تديني. إدي إبنك حتى!
- أنا مش فاهم حاجة يارانيا!
- بص! انت بقالك فترة غريب وغايب عن شغلك ومحدش فاهم تصرفاتك دي وموضوع العمى ده الي انت طالع فيه. إفتح عينيك بقى كفاية لحد هنا! إبنك محتاجلك. مش كفاية طول عمرك بتهمل في الولد؟ على الأقل إصرف عليه!
فتح عينيه ليرى رانيا أمامه في الشقة الفخمة!
- هو أنا فتحت؟
- حسن انت مش أعمى أصلا! لو دي حركات علشان موضوع الطلاق، فمفيش فايدة.
- يارانيا أنا شايفك! إزاي؟
- حاول تسترجع يوم "الحادث" زي ما انت مسميه. فاكر كدة إيه الي حصل فعلا؟
- البيت وقع فوقينا
- أيوة
- واتعميت!
- أيوة... إزاي بقى كل ده حصل...
كان الوقت متأخر وحسن مازال في مكتبه ينهي بعض الأعمال. تأكد من مظهره في المرآة وابتسم ابتسامة غرور وغادر مكتبه ليذهب إلى حفل يضم كبار رجال الأعمال والسياسين وكثير من أصحاب النفوذ.وعندما رجع إلى المنزل وجد رانيا قد حزمت أمتعتها وتطلب الطلاق.
"مش هقدر أكمل أكثر من كدة! كدة كدة مش هتحس بالفرق يعني".
- سيبتيني يارانيا؟ وخليتي الدنيا تظلم في وشي؟
- كان يوم إسود إالي فضلت فيه الفلوس على كل حياتك: أنا وإبنك وحتى الفلسفة ياحسن! وحتى لما أدركت خطأك وسوء اختيارك ماحاولتش تصلح علاقتك بإبنك أو تصلح حياتك ولكن إخترت إنك تقفل عينيك وتهرب من الدنيا وتفضل قاعد مكانك... لحد إمتى ياحسن؟
- وحياتي حصل فيها إيه وأنا غايب عنها كدة؟
- كله زي ماهو... شغلك ماشي تمام كالعادة!
النهاية
=========