مذكراتى العزيزة
قررت اليوم أن أكتب يومياتى، أن أكتب قبل المعرفة -أى الجهل- و بعد المعرفة، حتى يومنا هذا. فهذه ليست يوميات بالمعنى المتعارف عليه إنما أسجل هذا حتى يقرأه أشخاص آخرون يعانون من ذات المشكلة و لكنهم غير مدركين، فقد تفيدهم ليصلوا إلى حل مختلف عن الذى توصلت إليه، فبهذا لن تضيع معاناتى هباء.
أكثر ما يحيرنى أننى لا أعرف إذا كان من الممكن أن يقرأ هذه الأوراق شخص آخر، أو إذا كانت هذه الأوراق موجودة فعلاً أم إنها خيال، و هل يوجد فى عالمى هذا شخص يحتاج هذه الكلمات أو يستطيع أن يفهمها حقاً؟
ولعلك - يا من تقرأ هذه الكلمات - تتساءل لماذا لم أكتب يومياتى من قبل، فمن يعش سعيداً لا يدون أيامه إنما يحياها مثلما قال توفيق الحكيم فى قصته الشهيرة يوميات نائب فى الأرياف، فحقاً من هو سعيد لا يفكر فى تدوين يوميات إنما يحيا هذه الأيام السعيدة التى تمر سريعاً إلى أن ينتهى به الحال مثلى ويدونها.
أنا حلمى فى الأربعين من عمرى، وسيم و ثري، لدي زوجة رائعة إسمها أحلام، ربة منزل، مثقفة و جميلة جداً. لدينا طفلان: آدم و ملك، يملؤون أيامنا بالسعادة و الضحك.
كنت أحب حياتى جداً و لا أرى فيها أى عيوب. فلا يوجد بها شوائب، هي حياه مستقرة جداّ وليست مملة أيضاً.
لم أعرف أبداً معنى الخسارة، الحزن، الحسرة، الغضب. كل هذه الأحاسيس كانت غائبة عني ولم أحاول أن أعرف السبب في وجودهم في قاموس حياتنا بالرغم أنني لم أصادف أحدا يشعر بهم!
حياتي كانت جميلة بطريقة مريبة فقد قرأت الكثير من الروايات تحكي عن الألم الذي يجعلنا نشعر فيما بعد بالرضا والسعادة، وأن الحياة لا تخلو من العوائق والمشقات، أن الحياه لا تكون كاملة أبداً فلابد من وجود عيب معين في جانب من جوانب الحياه. وأيضاً أن الإنسان لا يمكن أن يكون كامل الأوصاف ولا يمكن أن يكون وسيم وثري وطيب وخفيف الظل وحنون، فكيف أنا موجود؟
هؤلاء الكتاب الذين شهد لهم التاريخ لا يمكن أن يجتمعوا كلهم على رأي واحد خاطئ ولا يمكن أن أكون قنوع إلى هذة الدرجة المخيفة!
وهؤلاء الكتاب لا يمكن أن يكتبوا عن شئ غير موجود. لماذا يكتبون عن الحزن والشجن وهما غير موجودين؟
من أين أتوا بهذة المعاني؟ وكيف عرفوها؟
حتى تفهم يجب أن أقص عليك الحكاية من بدايتها.
أنا كما قلت حياتي كاملة جميلة وكنت راضي بها جدا ولكن لاحظت شئ غريب وهو أني أغيب عن الوعي لفترات غير منتظمة وعندما أستعيد الوعي أجد نفسي في مكان غير الذي كنت فيه حين فقدت الوعي وأني أفعل شئ آخر مختلف تماما!
لاحظت أيضا أني لم أفقد شخص قط ولم أحضر عزاء أبدا، فكل من عرفتهم، سواءا كانوا قريبين أم بعيدين، لايزالوا موجودين حتى هذة اللحظة.
وفي الآونة الأخيرة بدأت أرى في المنام أشياء متشابهة: إما أني في سيارتي وفجأة أسرع ولا أستطيع السيطرة على السيارة أو أن شخصا آخر هو الذي يقود وفي الحالتين ينتهي الحلم بحادثة. وأرى أيضا أني أسبح في الفضاء أو أسقط من أعلى لأسفل في مكان غير معروف. وأرى، وهذا هو الأهم، في الأفق أناسا متربصين بي يحاولوا أن يدخلوا عالمي وعلى وجوههم الغضب الشديد والشر الكثير.
قضيت أياما كاملة في محاولة تفسير هذة الأحلام وكل المصادر أكدت أني أعاني من صعوبة في السيطرة على حياتي و هذا غىر منطقي فحىاتي لا يعكرها غير هذه الأحلام المزعجة.
وبالطبع حاولت أن أجد تفسير للناس المتربصين بي ولكن بلا نتيجة. وأكثر ما وجدته هو أني أعاني من القلق النفسي والإضطراب.
ذهبت لأعز أصدقائي كامل. من المؤكد أني لا أحتاج أن أقول أن حياته كاملة هي الأخرى ولا تختلف عن حياتي في شئ ولا نكاد نلاحظ ذلك وعندما فعلنا لم نتذمر ولم يوقف مياه حياتنا المتدفقة شئ.
أثناء تناولنا الشاي في شرفته المطلة على النيل قلت له:
- كامل، أنا باحلم بحاجات غريبة جدا!
- أنت غريب أصلا.
- مش باهزر، فعلا باحلم بأشخاص غاضبين مني و منتظرين أقرب فرصة للفتك بي،
وباحلم بحوادث سيارات أكون أنا فيها و باحلم أنني أطير و أسبح في السما و أسقط !
- أنت معقد ؟ لأكون صريح أنا لا أفهم في موضوع الأحلام و معانيها و لكن من الواضح أنك بتعاني من ضغط!
- قول لي ايه هو إحساس الضغط والحزن و الغضب!
- أنت اللي هتجبلي الضغط!
من هذا الحوار القصير فهمت أن كامل، و لأول مرة، ليس لديه أدنى فكرة عما أتحدث عنه فهو غير مدرك إطلاقا لحقيقة ما أقول.
شعرت هذه الليلة بشعور غريب تجاه كامل. شعرت أني لا أعرفه أو أنه لم يتغير أو يكبر، فكلامه واحد و ردود أفعاله واحدة، كأنه شخصية ثانوية في فيلم بطولة مطلقة.
سمعت عن رجل وقور إسمه "علي" يقال عنه عبقري ومجنون ولا يصدقه أحد أبدا، منعزل عن المجتمع فلا مكان له فيه، أشفق عليه ولكن شعرت أن الاجابات التي أنتظرها ستكون عنده.
أخذت سيارتي الفخمة من الطراز الحديث و بدأت الطريق لبيت الأستاذ علي.
في البداية كان الطريق مستقيم وواسع، نظيف وواضح. ثم بدأ الطريق في الانحناء والضيق و قلّت النظافة وخفضت الأنوار. ثم أصبحت في طريق وعر جدا، ضيق جدا، ملئ بحقائب الزبالة، مظلم تماما. و بعد حوالي نصف ساعة وجدت بيت قديم لا يمكن أن نطلق عليه كلمة "بيت". إنها غرفة قديمة مصنوعة من الخشب القديم المشقق، عرفت أنه بيت الأستاذ علي.
طرقت على الباب ففوجئت به ينقسم إلى نصفين وينهار تماما. هنا وجدت رجل كبير جدا، قذر جدا و عملاق جدا! لديه ذقن طويلة جدا بيضاء مثل الحكماء في الأساطير، الاختلاف هو درجة القذارة! فالحكماء في الأساطير لا يكونوا قذرين.
بدى على وجه الرجل علامات العجب، لكنه لم ينطق بكلمة واحدة منتظرا أن أبادره بالكلام ليعرف من المجنون الذي يزوره، فقد إعتزله الناس منذ أكثر من أربعين عاما أي من قبل وجودي في الدنيا!
بادرته قائلا:
- السلام عليكم يا أستاذ علي
- وعليكم السلام. انت عايز مين يا ابني؟
- مش حضرتك الأستاذ علي؟
- نعم....
- أعرف أنك مندهش، ولكني محتاج لك في شئ مهم جدا. أعرف أنك الوحيد القادر على مساعدتي. أعرف ما يقوله عنك الناس، ولكن أعتقد أنهم خاطؤن، أعتقد أنك على حق وأنهم على باطل.
- هدى نفسك! كل حاجة بهدوء كدة، و فهمني بالراحة!
- الحكاية يا أستاذ علي إني حائر جدا. هناك أشياء غير مفهومة في حياتي و كل ما أسأل حد يقول انت بتعاني من ضغط وحزن! إىه هما الضغط و الحزن والغضب دول أصلا؟
- إستنى، إيه هي الأشياء الغير مفهومة دي؟
- أرى في المنام حوادث سيارات، أرى أني أسقط، أرى أشخاص غاضبين جداً يريدون الدخول إلى عالمي و تدميره!
- و إيه كمان....
- لماذا لا يموت أحد؟ لماذا كل من في حياتي يلعبون أدوار ثانوية لا أكثر؟ لماذا لا أشعر بالحزن و الشجن الذي يتحدث عنه الكتاب في قصصهم؟ لماذا لا يشعر أحد في عالمي بمعاني هذه الكلمات و بالرغم من ذلك يستعملونها؟
- قلت إسمك ايه؟
- حلمي...
رجعت من هذه الرحلة الشاقة في بيت الأستاذ علي مصدوم، وإستعدت شريط كلامه في ذاكرتي و أنا أكاد لا أصدق، هل هو مجنون فعلا؟ كلامه منطقي لكن غريب، توقعت أن أجد الاجابات عنده ولكن لم أتوقع هذه الإجابات الصادمة!
قضيت الأيام التالية أحلل كل المواقف التي مرّت عليّ في حياتي كلها، وشككت في كل الحقائق التي أعرفها. وصلت لأشياء و حقائق مفزعة، حقائق لايمكن أن أكمل حياتي بها أبداً!
"بقالك أد إيه عندك أربعين سنة؟"
"إخترت صديقك كامل ليه؟"
"حبيت أحلام وتزوجتها هي ليه؟"
"طيب أبوك عنده كام سنة؟"
"ولادك كبروا؟"
"أهم سؤال هو ده: ليه كل اللي في حياتك بيلعبوا أدوار ثانوية جداً؟"
لا أعرف ماذا أصدق و لا من أصدق، فكلامه وأسئلته منطقية إلى حد الجنون، فهذه هي تساؤلاتي، ولكن الرد عليها صعب جداً!
كيف تستطيع أن تتقبل حقيقة كهذه! أن حياتك كلها لا تعني شئ و ليس لها هدف محدد، وأنك أنت شخصياً لست موجوداً في الحقيقة...
أنا فقط حلم شخص عائش في دنيا الواقع، شخص من الواضح أنه تعيس، يتمنى الحياة التي أعيشها، فأطلق عليّ إسم "حلمي"، الأمل الذي يريد الوصول إليه في يوم من الأيام. الحلم الذي يبقيه صامداً.
فالخلاصة أن حياتي هي خيال شخص آخر، وأنا خيال ولست حقيقة ولا أتمتع بحرية الإختيار ولا ترف أن أعيش في الواقع فأنا غير موجود أصلاً، و إذا مات هذا الشخص فسأمحى من الوجود دون أن يشعر بي أحد، دون أن أشعر أنا شخصياً.
ما أكأبها من حقيقية! كيف يمكنني الإستمرار بعد أن عرفت كل هذا؟ ولماذا الإستمرار إذا ماكانت كل هذه كذبة ولا يوجد هدف حقيقي؟
فالناس المتربصين بي قريباً سيدخلون و ينزعونني من الوجود. هؤلاء الناس هم من يحاولون تدمير الشاب المطحون في الواقع، يحاولون تدمير أمله في الحياة، حلمه الوحيد...
بعد تفكير عميق وطويل قررت أن أتأكد من هذا الكلام الذي قاله علي. لذلك ذهبت لأمي و سألتها:
- ما هو الحزن؟
- أن يحدث شئ فظيع جداً فيشعر الإنسان حينها بالحزن.
- ومتى يحدث شيئ "فظيع"؟
- في أوقات معينة...
- هل شعرتي بالحزن من قبل؟
- لا...
- كيف ذلك؟
- نحن محظوظون...
- و كل الناس أيضاً محظوظين؟
- معظم من نعرفهم...
- وهذه صدفة؟
- ماذا تعني؟
- لدي سؤال آخر...
- ...
- عندك كام سنة يا ماما؟
- خمسين سنة...
- ماما، أنا عندي أربعين سنة!
أمي قالت من قبل أنها تزوجت أبي وهي في الثالثة و العشرين من عمرهها. ومنذ زمن بعيد و هي في الخمسين من عمرها...شكلها لم يتغير منذ زمن طويل لا أعرف مداه...
قررت أن أحاول تحقيق الحلم في أن أحقق نفسي حتى أصبح حقيقة ولا أكون خيال لأعيش حياة حقيقة ولا أكون عائش بلا هدف.
من يستطيع أن يعيش مع أناس يشبهوا الأنسان الآلي، بلا روح، لا يتغيرون، لا يكبرون أبداً، ليس لديهم حياة بعيدة عنه، فهم ليسوا إلا الشخصيات الثانوية في الحلم الكبير للشخص العائش في الحقيقة. ولكن المشكلة الوحيدة هي التواصل بيني و بينه. فهو يحركني فهذه مخيلته هو، كيف أحركه أنا من خلال خياله هو؟
إذا تصرفت عكس ما عليّ أن أتصرف من الممكن أن ألفت نظره و أن أحركه و أوجهه للهدف حتى يصبح مثلي فأتحقق!
وبهذه الفكرة والنشاط والحماس ذهبت للأستاذ علي. هناك قال لي:
- صعب جداً يا إبني! من ناحية إنت كامل زيادة ولا يمكن أن تتحقق، سيتحقق شئ قريب منك ولن يكون أنت و سيظل يحلم أن يكون أنت. و من ناحية أخرى أنت لا تفقه شئ في حياة الواقع و مهما قرأت عنها و عرفت لن يكون مثل العيش فيها. حياة الواقع أصعب مما تتخيل و تحقيق نفسك شيئ مستحيل يا ابني!
قال هذه الكلمات غير مدرك وقعها عليّ! هو غير مدرك لحالتي، لأنه في النهاية خيال أيضاً، ولكن يجسد الحقيقة و الواقع في الخيال، الواقع الذي يعتزله الناس ولا يعترفون به أبداً. لذلك هو غير مدرك بما أشعر به الآن.
و من هنا قررت أن أقتل نفسي. في النهاية أنا لا أعني شئ لأحد، فبموتي يموت عالمي كله و لن أشعر بشئ. كل ما عليّ فعله هو السماح لهؤلاء المتربصون أن يدخلوا عالمي وسيتولوا هم الباقي!
و السؤال المهم هنا هو: كيف أجعلهم يدخلون عالمي؟ كيف أقتل الأمل في قلب الشاب الحالم؟ كيف أجعله يتوقف عن هذا كله؟ كيف أجعله يفقد الأمل تماماً؟
- يإبني بقول لك إيه...زمان ناس زيك كثير حاولوا و لم ينجح أحد فيهم. ما تريد فعله هو أن تقتل الشاب، فبموته فقط تموت أنت، و هو لن يفقد الأمل تماماً، فإذا فقده سينتحر، مما يعني أنه قد فقد عقله... قل لي كيف ستفقده عقله؟
لست مقتنعاً بكلامه، فكل ما عليّ فعله هو شرب سم أو إلقاء نفسي من شرفة أو سطح...الحلول كثيرة، كل ما عليّ هو إختيار الطريقة...
الآن هو الوقت الأنسب الليل الدامس هو النهاية المثالية للحياة الكاذبة التي أعيشها، فلا يمكنني أن أعيش، لم أفقد عقلي. أنا أريح هذا الشاب و أريح نفسي، فأنا لن أتحقق في كل الأحوال، أنا بعيد تماماً عن الواقع، وجودي في خياله لا ينفعه إنما يعطله ويحبطه لا أكثر.
ها هي الشرفة المرتفعة، سألقي بنفسي الآن...
الوداع يا عالمي، ها أنا أودع كل من يعرفني، الوداع أيها الشاب، يجب أن تكون واثقاً تماماً أن هذا أفضل لي و لك.
ظلام...أنا أهوي في الظلام، عاجلاً سأتلاشى من الوجود...
...
مذكراتي العزيزة،
قررت اليوم أن أكتب يومياتى، أن أكتب قبل المعرفة -أى الجهل- و بعد المعرفة، حتى يومنا هذا...
قررت اليوم أن أكتب يومياتى، أن أكتب قبل المعرفة -أى الجهل- و بعد المعرفة، حتى يومنا هذا. فهذه ليست يوميات بالمعنى المتعارف عليه إنما أسجل هذا حتى يقرأه أشخاص آخرون يعانون من ذات المشكلة و لكنهم غير مدركين، فقد تفيدهم ليصلوا إلى حل مختلف عن الذى توصلت إليه، فبهذا لن تضيع معاناتى هباء.
أكثر ما يحيرنى أننى لا أعرف إذا كان من الممكن أن يقرأ هذه الأوراق شخص آخر، أو إذا كانت هذه الأوراق موجودة فعلاً أم إنها خيال، و هل يوجد فى عالمى هذا شخص يحتاج هذه الكلمات أو يستطيع أن يفهمها حقاً؟
ولعلك - يا من تقرأ هذه الكلمات - تتساءل لماذا لم أكتب يومياتى من قبل، فمن يعش سعيداً لا يدون أيامه إنما يحياها مثلما قال توفيق الحكيم فى قصته الشهيرة يوميات نائب فى الأرياف، فحقاً من هو سعيد لا يفكر فى تدوين يوميات إنما يحيا هذه الأيام السعيدة التى تمر سريعاً إلى أن ينتهى به الحال مثلى ويدونها.
أنا حلمى فى الأربعين من عمرى، وسيم و ثري، لدي زوجة رائعة إسمها أحلام، ربة منزل، مثقفة و جميلة جداً. لدينا طفلان: آدم و ملك، يملؤون أيامنا بالسعادة و الضحك.
كنت أحب حياتى جداً و لا أرى فيها أى عيوب. فلا يوجد بها شوائب، هي حياه مستقرة جداّ وليست مملة أيضاً.
لم أعرف أبداً معنى الخسارة، الحزن، الحسرة، الغضب. كل هذه الأحاسيس كانت غائبة عني ولم أحاول أن أعرف السبب في وجودهم في قاموس حياتنا بالرغم أنني لم أصادف أحدا يشعر بهم!
حياتي كانت جميلة بطريقة مريبة فقد قرأت الكثير من الروايات تحكي عن الألم الذي يجعلنا نشعر فيما بعد بالرضا والسعادة، وأن الحياة لا تخلو من العوائق والمشقات، أن الحياه لا تكون كاملة أبداً فلابد من وجود عيب معين في جانب من جوانب الحياه. وأيضاً أن الإنسان لا يمكن أن يكون كامل الأوصاف ولا يمكن أن يكون وسيم وثري وطيب وخفيف الظل وحنون، فكيف أنا موجود؟
هؤلاء الكتاب الذين شهد لهم التاريخ لا يمكن أن يجتمعوا كلهم على رأي واحد خاطئ ولا يمكن أن أكون قنوع إلى هذة الدرجة المخيفة!
وهؤلاء الكتاب لا يمكن أن يكتبوا عن شئ غير موجود. لماذا يكتبون عن الحزن والشجن وهما غير موجودين؟
من أين أتوا بهذة المعاني؟ وكيف عرفوها؟
حتى تفهم يجب أن أقص عليك الحكاية من بدايتها.
أنا كما قلت حياتي كاملة جميلة وكنت راضي بها جدا ولكن لاحظت شئ غريب وهو أني أغيب عن الوعي لفترات غير منتظمة وعندما أستعيد الوعي أجد نفسي في مكان غير الذي كنت فيه حين فقدت الوعي وأني أفعل شئ آخر مختلف تماما!
لاحظت أيضا أني لم أفقد شخص قط ولم أحضر عزاء أبدا، فكل من عرفتهم، سواءا كانوا قريبين أم بعيدين، لايزالوا موجودين حتى هذة اللحظة.
وفي الآونة الأخيرة بدأت أرى في المنام أشياء متشابهة: إما أني في سيارتي وفجأة أسرع ولا أستطيع السيطرة على السيارة أو أن شخصا آخر هو الذي يقود وفي الحالتين ينتهي الحلم بحادثة. وأرى أيضا أني أسبح في الفضاء أو أسقط من أعلى لأسفل في مكان غير معروف. وأرى، وهذا هو الأهم، في الأفق أناسا متربصين بي يحاولوا أن يدخلوا عالمي وعلى وجوههم الغضب الشديد والشر الكثير.
قضيت أياما كاملة في محاولة تفسير هذة الأحلام وكل المصادر أكدت أني أعاني من صعوبة في السيطرة على حياتي و هذا غىر منطقي فحىاتي لا يعكرها غير هذه الأحلام المزعجة.
وبالطبع حاولت أن أجد تفسير للناس المتربصين بي ولكن بلا نتيجة. وأكثر ما وجدته هو أني أعاني من القلق النفسي والإضطراب.
ذهبت لأعز أصدقائي كامل. من المؤكد أني لا أحتاج أن أقول أن حياته كاملة هي الأخرى ولا تختلف عن حياتي في شئ ولا نكاد نلاحظ ذلك وعندما فعلنا لم نتذمر ولم يوقف مياه حياتنا المتدفقة شئ.
أثناء تناولنا الشاي في شرفته المطلة على النيل قلت له:
- كامل، أنا باحلم بحاجات غريبة جدا!
- أنت غريب أصلا.
- مش باهزر، فعلا باحلم بأشخاص غاضبين مني و منتظرين أقرب فرصة للفتك بي،
وباحلم بحوادث سيارات أكون أنا فيها و باحلم أنني أطير و أسبح في السما و أسقط !
- أنت معقد ؟ لأكون صريح أنا لا أفهم في موضوع الأحلام و معانيها و لكن من الواضح أنك بتعاني من ضغط!
- قول لي ايه هو إحساس الضغط والحزن و الغضب!
- أنت اللي هتجبلي الضغط!
من هذا الحوار القصير فهمت أن كامل، و لأول مرة، ليس لديه أدنى فكرة عما أتحدث عنه فهو غير مدرك إطلاقا لحقيقة ما أقول.
شعرت هذه الليلة بشعور غريب تجاه كامل. شعرت أني لا أعرفه أو أنه لم يتغير أو يكبر، فكلامه واحد و ردود أفعاله واحدة، كأنه شخصية ثانوية في فيلم بطولة مطلقة.
سمعت عن رجل وقور إسمه "علي" يقال عنه عبقري ومجنون ولا يصدقه أحد أبدا، منعزل عن المجتمع فلا مكان له فيه، أشفق عليه ولكن شعرت أن الاجابات التي أنتظرها ستكون عنده.
أخذت سيارتي الفخمة من الطراز الحديث و بدأت الطريق لبيت الأستاذ علي.
في البداية كان الطريق مستقيم وواسع، نظيف وواضح. ثم بدأ الطريق في الانحناء والضيق و قلّت النظافة وخفضت الأنوار. ثم أصبحت في طريق وعر جدا، ضيق جدا، ملئ بحقائب الزبالة، مظلم تماما. و بعد حوالي نصف ساعة وجدت بيت قديم لا يمكن أن نطلق عليه كلمة "بيت". إنها غرفة قديمة مصنوعة من الخشب القديم المشقق، عرفت أنه بيت الأستاذ علي.
طرقت على الباب ففوجئت به ينقسم إلى نصفين وينهار تماما. هنا وجدت رجل كبير جدا، قذر جدا و عملاق جدا! لديه ذقن طويلة جدا بيضاء مثل الحكماء في الأساطير، الاختلاف هو درجة القذارة! فالحكماء في الأساطير لا يكونوا قذرين.
بدى على وجه الرجل علامات العجب، لكنه لم ينطق بكلمة واحدة منتظرا أن أبادره بالكلام ليعرف من المجنون الذي يزوره، فقد إعتزله الناس منذ أكثر من أربعين عاما أي من قبل وجودي في الدنيا!
بادرته قائلا:
- السلام عليكم يا أستاذ علي
- وعليكم السلام. انت عايز مين يا ابني؟
- مش حضرتك الأستاذ علي؟
- نعم....
- أعرف أنك مندهش، ولكني محتاج لك في شئ مهم جدا. أعرف أنك الوحيد القادر على مساعدتي. أعرف ما يقوله عنك الناس، ولكن أعتقد أنهم خاطؤن، أعتقد أنك على حق وأنهم على باطل.
- هدى نفسك! كل حاجة بهدوء كدة، و فهمني بالراحة!
- الحكاية يا أستاذ علي إني حائر جدا. هناك أشياء غير مفهومة في حياتي و كل ما أسأل حد يقول انت بتعاني من ضغط وحزن! إىه هما الضغط و الحزن والغضب دول أصلا؟
- إستنى، إيه هي الأشياء الغير مفهومة دي؟
- أرى في المنام حوادث سيارات، أرى أني أسقط، أرى أشخاص غاضبين جداً يريدون الدخول إلى عالمي و تدميره!
- و إيه كمان....
- لماذا لا يموت أحد؟ لماذا كل من في حياتي يلعبون أدوار ثانوية لا أكثر؟ لماذا لا أشعر بالحزن و الشجن الذي يتحدث عنه الكتاب في قصصهم؟ لماذا لا يشعر أحد في عالمي بمعاني هذه الكلمات و بالرغم من ذلك يستعملونها؟
- قلت إسمك ايه؟
- حلمي...
رجعت من هذه الرحلة الشاقة في بيت الأستاذ علي مصدوم، وإستعدت شريط كلامه في ذاكرتي و أنا أكاد لا أصدق، هل هو مجنون فعلا؟ كلامه منطقي لكن غريب، توقعت أن أجد الاجابات عنده ولكن لم أتوقع هذه الإجابات الصادمة!
قضيت الأيام التالية أحلل كل المواقف التي مرّت عليّ في حياتي كلها، وشككت في كل الحقائق التي أعرفها. وصلت لأشياء و حقائق مفزعة، حقائق لايمكن أن أكمل حياتي بها أبداً!
"بقالك أد إيه عندك أربعين سنة؟"
"إخترت صديقك كامل ليه؟"
"حبيت أحلام وتزوجتها هي ليه؟"
"طيب أبوك عنده كام سنة؟"
"ولادك كبروا؟"
"أهم سؤال هو ده: ليه كل اللي في حياتك بيلعبوا أدوار ثانوية جداً؟"
لا أعرف ماذا أصدق و لا من أصدق، فكلامه وأسئلته منطقية إلى حد الجنون، فهذه هي تساؤلاتي، ولكن الرد عليها صعب جداً!
كيف تستطيع أن تتقبل حقيقة كهذه! أن حياتك كلها لا تعني شئ و ليس لها هدف محدد، وأنك أنت شخصياً لست موجوداً في الحقيقة...
أنا فقط حلم شخص عائش في دنيا الواقع، شخص من الواضح أنه تعيس، يتمنى الحياة التي أعيشها، فأطلق عليّ إسم "حلمي"، الأمل الذي يريد الوصول إليه في يوم من الأيام. الحلم الذي يبقيه صامداً.
فالخلاصة أن حياتي هي خيال شخص آخر، وأنا خيال ولست حقيقة ولا أتمتع بحرية الإختيار ولا ترف أن أعيش في الواقع فأنا غير موجود أصلاً، و إذا مات هذا الشخص فسأمحى من الوجود دون أن يشعر بي أحد، دون أن أشعر أنا شخصياً.
ما أكأبها من حقيقية! كيف يمكنني الإستمرار بعد أن عرفت كل هذا؟ ولماذا الإستمرار إذا ماكانت كل هذه كذبة ولا يوجد هدف حقيقي؟
فالناس المتربصين بي قريباً سيدخلون و ينزعونني من الوجود. هؤلاء الناس هم من يحاولون تدمير الشاب المطحون في الواقع، يحاولون تدمير أمله في الحياة، حلمه الوحيد...
بعد تفكير عميق وطويل قررت أن أتأكد من هذا الكلام الذي قاله علي. لذلك ذهبت لأمي و سألتها:
- ما هو الحزن؟
- أن يحدث شئ فظيع جداً فيشعر الإنسان حينها بالحزن.
- ومتى يحدث شيئ "فظيع"؟
- في أوقات معينة...
- هل شعرتي بالحزن من قبل؟
- لا...
- كيف ذلك؟
- نحن محظوظون...
- و كل الناس أيضاً محظوظين؟
- معظم من نعرفهم...
- وهذه صدفة؟
- ماذا تعني؟
- لدي سؤال آخر...
- ...
- عندك كام سنة يا ماما؟
- خمسين سنة...
- ماما، أنا عندي أربعين سنة!
أمي قالت من قبل أنها تزوجت أبي وهي في الثالثة و العشرين من عمرهها. ومنذ زمن بعيد و هي في الخمسين من عمرها...شكلها لم يتغير منذ زمن طويل لا أعرف مداه...
قررت أن أحاول تحقيق الحلم في أن أحقق نفسي حتى أصبح حقيقة ولا أكون خيال لأعيش حياة حقيقة ولا أكون عائش بلا هدف.
من يستطيع أن يعيش مع أناس يشبهوا الأنسان الآلي، بلا روح، لا يتغيرون، لا يكبرون أبداً، ليس لديهم حياة بعيدة عنه، فهم ليسوا إلا الشخصيات الثانوية في الحلم الكبير للشخص العائش في الحقيقة. ولكن المشكلة الوحيدة هي التواصل بيني و بينه. فهو يحركني فهذه مخيلته هو، كيف أحركه أنا من خلال خياله هو؟
إذا تصرفت عكس ما عليّ أن أتصرف من الممكن أن ألفت نظره و أن أحركه و أوجهه للهدف حتى يصبح مثلي فأتحقق!
وبهذه الفكرة والنشاط والحماس ذهبت للأستاذ علي. هناك قال لي:
- صعب جداً يا إبني! من ناحية إنت كامل زيادة ولا يمكن أن تتحقق، سيتحقق شئ قريب منك ولن يكون أنت و سيظل يحلم أن يكون أنت. و من ناحية أخرى أنت لا تفقه شئ في حياة الواقع و مهما قرأت عنها و عرفت لن يكون مثل العيش فيها. حياة الواقع أصعب مما تتخيل و تحقيق نفسك شيئ مستحيل يا ابني!
قال هذه الكلمات غير مدرك وقعها عليّ! هو غير مدرك لحالتي، لأنه في النهاية خيال أيضاً، ولكن يجسد الحقيقة و الواقع في الخيال، الواقع الذي يعتزله الناس ولا يعترفون به أبداً. لذلك هو غير مدرك بما أشعر به الآن.
و من هنا قررت أن أقتل نفسي. في النهاية أنا لا أعني شئ لأحد، فبموتي يموت عالمي كله و لن أشعر بشئ. كل ما عليّ فعله هو السماح لهؤلاء المتربصون أن يدخلوا عالمي وسيتولوا هم الباقي!
و السؤال المهم هنا هو: كيف أجعلهم يدخلون عالمي؟ كيف أقتل الأمل في قلب الشاب الحالم؟ كيف أجعله يتوقف عن هذا كله؟ كيف أجعله يفقد الأمل تماماً؟
- يإبني بقول لك إيه...زمان ناس زيك كثير حاولوا و لم ينجح أحد فيهم. ما تريد فعله هو أن تقتل الشاب، فبموته فقط تموت أنت، و هو لن يفقد الأمل تماماً، فإذا فقده سينتحر، مما يعني أنه قد فقد عقله... قل لي كيف ستفقده عقله؟
لست مقتنعاً بكلامه، فكل ما عليّ فعله هو شرب سم أو إلقاء نفسي من شرفة أو سطح...الحلول كثيرة، كل ما عليّ هو إختيار الطريقة...
الآن هو الوقت الأنسب الليل الدامس هو النهاية المثالية للحياة الكاذبة التي أعيشها، فلا يمكنني أن أعيش، لم أفقد عقلي. أنا أريح هذا الشاب و أريح نفسي، فأنا لن أتحقق في كل الأحوال، أنا بعيد تماماً عن الواقع، وجودي في خياله لا ينفعه إنما يعطله ويحبطه لا أكثر.
ها هي الشرفة المرتفعة، سألقي بنفسي الآن...
الوداع يا عالمي، ها أنا أودع كل من يعرفني، الوداع أيها الشاب، يجب أن تكون واثقاً تماماً أن هذا أفضل لي و لك.
ظلام...أنا أهوي في الظلام، عاجلاً سأتلاشى من الوجود...
...
مذكراتي العزيزة،
قررت اليوم أن أكتب يومياتى، أن أكتب قبل المعرفة -أى الجهل- و بعد المعرفة، حتى يومنا هذا...
heeey
ReplyDelete2lf mabro0o0o0o0ok 3al blog
wvery strong start :)
beltawfee2 isa
i love this one :):) good joooooob:D
ReplyDeleteI love it!
ReplyDeleteKeep it up!
Great work and am really speechless "mashaAllah"
ReplyDeleteThank You ANgieeeeee =)
ReplyDeleteBRILLIANT BASMA !!!!! I LOVE IT
ReplyDeleteThankkkkss =))
ReplyDeleteEpic. I mean it!
ReplyDeleteKeep on
Yasser.
THANK YOUUUU that means a lot to me :)
ReplyDeletewowwwwwwwwwww Basmaa I am stunned !!!!!!!!!! t7faa bgd it's an excellent start keep going honey I expect you'll be a good writer in the future kissessssssssss
ReplyDeleteNadouuuuuuuud <3 thaaanQQ 7bibity=)) You cheered me up bgd :)) mwaaaaaahh :*:*
ReplyDelete